المغرب .. أخطاء في مربع العمليات؟
ما أفدح أن نخطو ونحن نجهل وجهتنا. وما أصعب أن نهدم كل البناء لمجرد عجزنا عن تقويم الأخطاء وإصلاح الأعطاب.
كم هو عيب أن تتحول الأخطاء إلى قاعدة ثابتة ويتحول النداء بالتصحيح إلى جرم يُستحق عليه العقاب وما أخطر أن تنتهك الحرمات وتسلب الحريات باسم الأمن تارة وباسم الحرية تارة أخرى والنتيجة تقهقر وتراجعات تتولد عنها معوقات وتباعدات بين الشعار والتطبيق, بين الحلم والواقع المعيش.
كم سال من مداد وكم خُطت من صفحات وكم هو عدد النداءات والتحذيرات التي انطلقت تؤكد إعوجاج المسار وانحراف الخط ؟ كم هو عدد من انسحبوا من ساحة الفعل والإنتاج وتركوا الحلبة للفساد والمفسدين , للمرتشين وسماسرة الصفقات ؟ كم هو عدد من حُقنوا الإحباط رويدا رويدا وقتلت فيهم البيروقراطية وداء المحسوبية والفساد كل أمل في بناء مغرب جديد متصالح مع تاريخه وشعبه.
كم منا سأل نفسه عن معنى الحياة فوق أرض لا تحترم إنسانية أبناءها.. ولا تقدر خطورة تراكم الإحساس بالغبن والظلم والحيف ..
قد يطول بنا التعداد والنواح ولن تنتهي عبارات وصفنا للواقع المذل الذي تتخبط شرائح عريضة من أبناء شعبنا, أخطاء ترتكب باسم السياسة واخرى باسم الوطنية وغيرها باسم الحرص والسرية والأنانية والطمع وانعدام الإحساس بالضمير الجماعي.
أخطاء وجب لزاما التنبيه إليها والمطالبة بتصحيحها قبيل فوات الأوان
*******
ليس من الضرورة أن نحصر تعريف الخطأ في فعل إرادي أو لا إرادي فقد ترتكب أخطاء كثيرة, خطيرة وفادحة , بسبب عدم الفعل أو التقصير في الفعل. وهنا وجب التذكير بأن أخطاء حكومات المغرب المتعاقبة لم تك دائما أخطاء فعل بل كانت أغلبها أخطاء قلة الفعل, لم تحاسب عليها. ومن يملك سلطة محاسبتها ؟ فذريعة المسؤولين الحكوميين المغاربة كانت دائما هي الإلتزام بالمخططات الخماسية والعشرية وهلم جرا.
وماذا كنا ننتظر من وزاء وحكومات لم ينتخب الشعب أغلبيتها ولم ينتخب برلمانا يقوى على محاسبتها بل ومسائلتها قبيل تسلمها لمناصبها .. وما نيل المطالب التمني.
فالتهاون في تطبيق القانون الضريبي مثلا على كل الشرائح الإجتماعية حول الوطن إلى ضيعة يملكها قلة من المستفيدين يجنون أرباحها دونما حسيب أو رقيب مستكثرين على صندوق الدولة دفع ضريبة يقرها القانون ويعاقب على مخالفتها.
ومن غير طبقة الحكام تتحمل مسؤولية نهب ميزانية الحكومة والتواطؤ على إفقار الشعب وسرقة قوت يومه .. بتفننها في ترجمة سياسة العجز والإسراف في الإستافدة من المنصب الرسمي والتمتع بالإمتيازات ؟ على حساب وطن تنهكه ميزانية دفاعية مجبر على تحملها وتحاصره قوى إقليمية تدرك مدى قوة سلاح النمو الإقتصادي في وطن أنعم الله عليه بكل موقومات الإكتفاء الذاتي.
أخطاء وجب لزاما التنبيه إليها والمطالبة بتصحيحها قبيل فوات الأوان
*******
كما شكل التهاون في تطبيق قانون محاربة الفساد بكل أصنافه ذريعة لتحوله إلى عرف سرى به العمل وكاد يمتلك صفة العرف . فبينما اقتصر تطبيق القانون على صغار الموظفين المرتشين غُض الطرف على جرائم المسؤولين الكبار من ذوي النفود. تحميهم في ذلك علاقاتهم الخاصة وشبكات المصالح المتبادلة.
أخطاء .. ووجب لزاما التنبيه إليها والمطالبة بتصحيحها قبيل فوات الأوان
*******
إذا كان العدل هو الشريان الذي يضخ دم الحياة في جسد كل الأوطان فإن مساطر تطبيقه في المغرب معقدة لدرجة الإبهار.. حتى بات الإحتكام إلى القضاء المغربي مهمة صعبة قد تستنفد عمر المتقاضي بل ويورثها لأبناءه. فليس العدل دائما هو محاكمة لص أو مغتصب أو قاتل.. فكثيرا ما تقترف الجرائم الشنيعة بعد العجز على استنفاد المسطرة القانونية في استخلاص حق ضاع بين ردهات المحاكم وتقادفته الأدراج وأهمله القائمون على تطبيقه. ومع ضياع الحقوق سرت في المغرب قوانين الوساطة بتسمياتها الكثيرة المتعددة ( الركيزة , القداف , اليد , البيستون .. إلخ ) تتجاوز فاعليتها أعمال المحاماة وسلطة القضاء وترتقي فوق المساطير ودرجات التقاضي. فالوساطات في المغرب وضعت يدها على جهاز العدل وجمدت قدرة الشرفاء على تطبيقه بداية بضباط الشرطة القضائية ومرورا بوكلاء المللك ونهاية بالقضاة .. فلطالما نكيل الإتهام لهذا القاضي أو ذاك وغالبا ما نتفنن في اتهام المحققين وأعوان القضاء لكننا ننسى اتهام الهيكلية العامة للمؤسسة ( مؤسسة القضاء , مؤسسة وليس سلطة ) ومدى حصانتها في مواجهة الضغوط ( الفوقية ) والعقوبات الإدارية التي طالت ولا تزال تلحق بكم كبير من الشرفاء ممن درسوا القانون وأقسموا تطبيقه بالعدل.
ليس العدل ماء سحري يسري مفعوله لمجرد قطرة منه بل هو وحدة لا تقبل التجزيئ فالعدل لا يكون عدلا إلا إذا طبق إجماعا دون تقصير أو تفريط أو استثناء.. ولم يتحقق العدل يوما في مجتمع لا يتساوى مواطنوه أمام القانون, ولا يستقل قضاءه بعيدا عن ضغوط الإدارة والسياسة وأشاء أخرى.
*******
أخطاء .. ووجب لزاما التنبيه إليها والمطالبة بتصحيحها قبيل فوات الأوان
أخطاء قاتلة في ظرفية وطنية حساسة .. ظرفية تقتضي تلاحم الإرادة الوطنية للإنتصار في معركة البناء والتنمية الحقة .. تنمية لا تقتصر على ترسيخ دعائم المجتمع الإستهلاكي واقتصاد البازارات. فكثيرون من يعتقدون أن الفجوة السحيقة بينى الفقر والثراء في المغرب مردها إلى فقرنا كوطن إلى موارد طبيعية طاقية كالنفط والغاز , وكثيرون يجزمون أن تمرير سياسة إقتصاد السوق هي الحل الأنجع لتقليص الفوارق الطبقية والنهوض بالمستوى المعيش للمواطنين.
مهلا .. مهلا .. مهلا
إن تحويل مسؤوليات الدولة إلى القطاع الخاص ( الخاص جدا ) وتحويل القطاعات الإجتماعية العمومية من ملكية الدولة ( الشعب ) إلى ملكية شركات ( أفراد ) تنشد الربح نتج عنه تصنيف طبقي للخدمات,بين خدمات خاصة مدفوعة وأخرى عمومية مجانية لا تتوفر فيها أدنى مواصفات الخدمة الإجتماعية.
صحيح أن إقتصاد السوق يوحي بالطفرة ويعطي الإنطباع بأن الفرد هو من يملك المبادرة ويقلص وإلى أقصى الحدود سلطة الدولة على الأسعار بعد تحريرها ويتركها تتقلب حسب العرض والطلب.. كلها صفات رغم بريقها ما تزال تخفي تحتها أسلحة خطيرة للإضطهاد والإحتكار وتسهيل الفرص على القلة وصدها في وجه الملايين من الفقراء والمعوزين.. فنتيجة الخصخصة ليس هو الظاهر منها في الشوارع وغابات الإسمنت التي استعمرت مناطفنا الخضراء بل نراها تكمن في تكبيل المواطنين بقروض طويلة الأمد وفوائد بنكية مجحفة. تعمق من عجز المواطن على الإستقلال بالرأي . فاقتصاد السوق يؤسس لمسلسل العلاقة بين الفرد والبنك والفرد واستمرار تمتعه بامتيازات وقتية جوفاء يستهلكها بالمقابل ولا يتوفر على صك ملكيتها القانونية ما لم يسدد ثمنها بالكامل.. وبالتالي يتحول استمرار الواقع على ما هو عليه مصلحة تخفي وراءها سلب إرادة المواطن.
إن المسار الإقتصادي الذي تتبعه بلادنا يشبه وإلى حد كبير أعمال المافيا ..
فكيف يعقل أن تحتكر بضع شركات حق قطاع المواصلات السلكية واللآسلكية ؟ والإعلام ؟ والإشهار ؟ والمواصلات ؟ والسمعي البصر ؟ كيف يعقل أن يكون الشعار هو المنافسة الحرة ويمنع المواطن العادي البسيط من حقه في خوض غمار هذه المنافسة الخــ ... الحرة ؟
لقد تبين وبالملموس أن الخصخصة في المغرب ارتبطت بجرائم التفويت اللآقانوني لقطاعات الدولة إلى أفراد ومؤسسات لم تستوفي شروط هذا الحق وكان المعيار هو المحسوبية والعلاقات الخاصة والقرب من دوائر النفود.
وإنني أتحدى الكثير ممن في ( بطنهم العجينة ) مكاشفة الشعب حول الطرق والوسائل والمساطر التي مكنتهم من تملك عدة قطاعات كان يفترض أن يكون استحقاقها بناء على طرح عمومي للعروض والمناقصة.
إن تكريس الظلم باسم اقتصاد السوق هو تكريس لسياسة هيمنة الأقلية على عجلة الإنتاج وتحويل الشعب إلى قوة إستهلاكية بدل أن يكون قوة إنتاجية.
فما هو مكسب الفرد عندما تقرضه أموالا بالفوائد لكي يشتري سيارة تملك شركتك حق تسويقها وتملك شركة إبنك حصرية تأمينها وتملك شركة زوجتك حصرية تموينها بالنفط ..
إنك والحالة هاته تخرجه من المعادلة الإقتصادية العادلة وتحوله إلى بهيمة إستهلاكية وتحاصر قدرته على الإنتعاش الإقتصادي من كل الجوانب.
أخطاء .. ووجب لزاما التنبيه إليها والمطالبة بتصحيحها قبيل فوات الأوان
*******
وليس التعليم بأحسن حالة .. فهذه الفجوة السحيقة بين الأسر تنعكس في مدارسنا بشكل مهين لتتحول المؤسسات التعليمية العمومية في المغرب إلى مدارس من الدرجة الثانية في حين تمكنت المدارس التجارية الخاصة من بناء منظومة حاصرت القطاع التعليمي العام وأفرغته من قدرته على المنافسة .. فبات اللجوء إلى المدرسة العمومية حصرا على الفقراء وذوي الدخل المحدود. وقياسا على ذلك تحولت الطبقية إلى أسلوب حياة منذ الصغر.
خلاصة الكلام أن القول بمجتمع الحق والقانون ومجتمع تساوي الفرص هو هدف بعيد المنال على مجتمع تتحكم في دواليب شأنه نخبة سياسية تنتمي لعصور التحنيط الفكري .. فئة أبت إلى أن تكرر ارتكاب الأخطاء على بعد خطوات قليلة من منطقة الخطر .. معتقدة أن ارتكاب الأخطاء سيمر شعبيا دون محاسبة. لكن التاريخ أثبت أن العدالة الشعبية تزداد شوكتها قوة وحدة كلما ازداد الحيف والظلم وكلما تقلصت فرص الإحتكام إلى سلطة عليا تملك القدرة على القياس والكيل بموازين ( لا علاقة لها بالمهرجانات والرقص ) موازين إجتماعيىة ودستورية تضمن استمرارية التعايش والعيش المشترك.. فدون ذلك الكارثة.
وليس المغرب في منأى عما يحدث في أعتى المجتمعات تسلطا.
hespress
0 التعليقات:
إرسال تعليق